هواء بارد جدا .
جلس الرجل ( الذي يدعو نفسه بالغريب ) قبالة
الباب المؤدي إلى الشارع . وقد وضع خده على راحة كفه . كان يسبح في سماء الأحلام .
يأتي إلى المقهى عمال وموظفون وأنصاف رجال ، ينظرون بين الفينة والأخرى إلى
ساعاتهم مخافة أن يقطعهم الوقت .
شرب الجرعة الأولى ، فأحس بألم في لسانه ولثته
وحلقه . كانت القهوة ساخنة جدا . ألم ينتبه إلى البخار الذي يتصاعد منها إلى سماء
الأحلام ؟ . ونظر إلى ساعته ، والرسالة التي وضعها على الطاولة ، جنب علبة السجائر
. هذه الرسالة التي تحوي البكاء ، بكاء الماضي والحاضر والأزمنة كلها التي لا ندري
عنها شيئا .
في هذه الأثناء ، كان قلبه يدق بعنف . وراح
يخاطبه : يا قلبي ، أيعقل ألا أقابل الرئيس ؟ . فمنذ نصب رئيسا ، والناس يفدون
إليه كالذباب . وها قد عم السلام وانتشر . شعر بالظلم والغبن . كان الرجل الوحيد
الذي لم ينل كرم الرئيس ..
ثم
إنه ارتمى على الجرعة الثانية ، فسكبها في جوفه . لم تكن ساخنة كسابقتها. كان لها
وقع حسن . ونفض عن ثيابه غبارا وهميا، ثم جد في السير حتى انتهى إلى مكتب الرئيس،
بعد أن صعد أدراجا أرهقت بدنه . وتوقف لحظات، قبل أن يأمره البواب بأن يلج ردهة
أوصلته حتى الشارع ، حيث لفحه هواء بارد جدا . يا لسخرية الأقدار !! .
Comments